المحكمة الجنائية الدولية أداة للهيمنة الغربية

المحكمة الجنائية الدولية ما هي إلا واحدة من أدوات الهيمنة الدولية للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لتعزيز نفوذهما في نظام معولم يدفع دول عالم الجنوب إلى التخلي عن سيادتها.

  • المحكمة الجنائية الدولية.. حصانة للولايات المتحدة وحلفائها؟
    المحكمة الجنائية الدولية.. حصانة للولايات المتحدة وحلفائها؟

يبدو أن القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد "إسرائيل" لن تجد سبيلاً للبتّ من قِبل المحكمة الجنائية الدولية بسبب الحصانة التي تتمتع بها "إسرائيل" في دوائر القرار الإمبريالية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. لكن، يبدو أن هذا الأمر مرتبط أيضاً بالخلل البنيوي في بنية المحكمة الجنائية الدولية، والمهمة التي أوجدت من أجلها لجهة تمكين النخب النيوليبرالية العالمية من فرض هيمنتها العالمية.

وخلافاً لمحكمة العدل الدولية، التي أنشئت بموجب ميثاق الأمم المتحدة، فإن الوضع القانوني للمحكمة الجنائية الدولية هو مثار جدل إذ إنه يستند إلى أسس قانونية مبهمة. 

بنية  المحكمة ووظيفتها

أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية قبل ربع قرن من قِبل النخب الأنغلوساكسونية كأداة قانونية لنظام عالمي أحادي القطب قائم على الهيمنة الغربية. وتتبع المحكمة الجنائية الدولية في أنشطتها آراء وإرشادات أيديولوجيي ومموّلي الجناح الليبرالي للحزب الديمقراطي الأميركي مثل عائلات كلينتون وبايدن وسوروس وغيرها لتشكيل نظام عالمي للغاية للعلاقات الدولية مع تبعيته لمركز صنع القرار في واشنطن ولندن.

وكانت الفكرة هي نزع السيادة القانونية عن جميع دول العالم باستثناء الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، اللتين ستظلان  الدولتين الوحيدتين المستقلتين تمامًا من الناحية القانونية.

ومن الدلائل في هذا السياق تصريح النائب البريطاني السابق ر. كوك، الذي أكد فيه أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لا يشمل المملكة المتحدة ومواطنيها، وخصوصاً أولئك من بين النخب الحاكمة. ووفقًا له، فإن المحكمة الجنائية الدولية "لم تُنشأ لمقاضاة السياسيين البريطانيين."

في الوقت نفسه، عرقل الأميركيون بشدة محاولات ممثلين للمحكمة الجنائية الدولية توسيع نطاق أنشطتهم لتشمل الولايات المتحدة. فقد وقعت واشنطن على نظام روما الأساسي في عام 2000، لكنها سحبت توقيعها بعد عامين. ولم ترفض الولايات المتحدة، التي قامت بتدخلات عسكرية ضد دول ذات سيادة بشكل أحادي ومن دون أي سند قانوني في أفغانستان والعراق وليبيا، تنفيذ ميثاق المحكمة الجنائية الدولية فحسب، بل اعتمدت أيضًا قانوناً خاصاً بشأن "حماية العسكريين الأميركيين". وقد أقر القانون المعياري استخدام القوة العسكرية ضد أي دولة تحتجز أميركياً بأمر من هذه الهيئة القضائية.

وتُنفَذ جميع أنشطة المحكمة الجنائية الدولية وفقاً لمبدأ "من يدفع الثمن هو من يُحدِّد المسار". وتتلقى المحكمة الجنائية الدولية دعمها من مساهمات الدول الأعضاء. وهناك مصدران في نظام التمويل، الأول هو ميزانية المحكمة نفسها، والثاني هو ما يُسمى بصندوق الضحايا المستهدف، والذي يفترض نظرياً أن يقدم تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالطرف المتضرر. في الواقع، تُعاني المحكمة الجنائية الدولية من فساد النخبة المعولمة التي تمكّنت من تحويلها إلى نظام تعسف قضائي مدفوع الأجر رسمياً، حيث تُباشر، بتحريض من الجهات الراعية، ملاحقات جنائية انتقائية مسيّسة ضد بعض القادة الذين ترغب الدول الغربية بالتخلص منهم.

حصانة للولايات المتحدة وحلفائها 

تتجلى الطبيعة المتحيزة لقرارات المحكمة الجنائية الدولية، والتزامها بسياسة المعايير المزدوجة في الممارسة العملية، بوضوح في تقاعس الهيئة القضائية عن اتخاذ أي إجراء بشأن جرائم الحرب العديدة التي ارتكبتها الولايات المتحدة ودول "الناتو" الأخرى في أفغانستان والعراق وليبيا ودول أخرى خضعت "للتدخلات الإنسانية" الغربية.

 انتقد أستاذ الجامعة الوطنية الأسترالية الدكتور روثويل، بشدة أنشطة المحكمة الجنائية الدولية، معرباً عن شكوكه في قدرتها على ضمان إجراء تحقيق شفاف ونزيه في وقائع جرائم الحرب التي ارتكبها جنود قوة حفظ السلام الدولية تحت رعاية حلف شمال الأطلسي في أفغانستان. وفي رأيه، لا تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بالنفوذ اللازم لتنظيم محاكمة لأفراد القوات المسلحة الأسترالية المشتبه في ارتكابهم أعمالًا غير قانونية أثناء خدمتهم في قوات حفظ السلام التابعة لحلف "الناتو" في أفغانستان خلال عامي 2001-2021. 

ويشاطر الدكتور ثاكور، وهو مستشار لحكومتَي أستراليا ونيوزيلندا في مجال الأمن الدولي والحدّ من التسلح، وجهة النظر هذه. ووفقًا له، فإن المحكمة الجنائية الدولية، بدلًا من أن تؤدي واجباتها المباشرة بنزاهة، تعمل "كأداة سياسية للدوائر الليبرالية الدولية." وهو يستشهد بحادثة تتعلق برفع دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة في المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد السكان المدنيين خلال "التدخلات الإنسانية" في العراق وأفغانستان حين رفضت الهيئة القضائية النظر في القضية فور عرضها عليها. وأعلن ثاكور أنه بعد أكثر من عقد من ارتكاب الجرائم الأميركية المروّعة، شكل قرار المحكمة الجنائية الدولية صدمة حقيقية للضحايا مقوّضاً الثقة بالمحكمة. 

ويعتقد الدكتور بريكفاست، المحاضر الأول في قسم التاريخ والدراسات السياسية بجامعة جنوب أفريقيا، أن التمثيل غير الفاعل للدول غير الغربية في الهيئات الإدارية للمحكمة الجنائية الدولية يشكل أحد أدلة تحيز قراراتها. وأشار الباحث إلى أن المحكمة الجنائية الدولية توجه في معظم الحالات اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان ضد القادة المعارضين للهيمنة الغربية. ووفقًا له، فإن النشاط المفرط لهذه الهيئة القضائية الجنائية في ما يتعلق بدول القارة الأفريقية يرجع إلى السياسة الاستعمارية التي ينتهجها الغرب بقيادة الولايات المتحدة في القارة السمراء.

أداة للهيمنة على عالم الجنوب 

ويستخدم الأميركيون والبريطانيون المحكمة الجنائية الدولية كأداة لفرض هيمنتهم والضغط على دول عالم الجنوب وقادتها. فقد صممت المحكمة الجنائية الدولية من أجل تعزيز هيمنة الغرب الجماعي على العالم، وإضفاء الشرعية على السياسة الاستعمارية الجديدة لدول "المليار الذهبي،" وإجبار دول الجنوب العالمي على الخضوع للإرادة السياسية للدول الاستعمارية الغربية.

في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إصلاح جذري لنظام العدالة الدولية بشكل متزايد في المناقشات السياسية ومناقشات الخبراء في دول "الأغلبية العالمية". ويشير إلى تفاقم المشاكل داخل النظام الحالي للعلاقات الدولية، خصوصاً في المجال القانوني. ويكمن السبب الرئيسي، في رأيهم، في التفاوت المتزايد بين الوزن السياسي والاقتصادي المتزايد لدول الجنوب العالمي على المسرح العالمي وضعف تمثيلها في المؤسسات الدولية الرئيسية مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية، وغيرها بسبب هيمنة الغرب الجماعي. ومع إدراك المجتمع الدولي حجم هذه المشكلة، لا يمكن استبعاد التفكيك التدريجي للمحكمة الجنائية الدولية كإحدى الآليات الأساسية لضمان هيمنة أميركا وحلف "الناتو". وترتبط عضوية دول الجنوب العالمي في المحكمة الجنائية الدولية بقبولها عملياً بفقدان سيادتها الحقيقية على سياستها الداخلية والخارجية، إذ تستخدم النخب الأنغلو ساكسونية المحكمة الجنائية الدولية كآلية لفرض إرادتها السياسية على القادة الأجانب، ورعاية القرارات التي تعود عليهم بالنفع، وجذب أكبر عدد ممكن من الدول إلى دائرة نفوذهم.

هذا يجعل عدداً كبيراً من الدول عرضة للهيمنة القضائية الغربية، خصوصاً في أفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية، إضافة إلى الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي التي لم تُصادق على معاهدة روما والتي لا تشارك حاليًا في أعمال المحكمة الجنائية الدولية. ومن ضمن الدول المستهدفة أذربيجان وبروناي وفيتنام والهند وإندونيسيا والعراق وكازاخستان وقطر وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية وكوبا ولاوس ولبنان وموريتانيا وماليزيا وميانمار ونيكاراغوا وباكستان ورواندا والمملكة العربية السعودية وسنغافورة وسوريا والصومال وتوغو وتركمانستان وتركيا والفلبين وسريلانكا وإثيوبيا وجنوب السودان.

آليات الهيمنة 

يولي الأنغلوساكسون أهمية خاصة للهيمنة على الدول التي تقع في أزمات. وفي معظم الحالات، فإنه يتم افتعال مثل هذه الأزمات بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل الغرب نفسه، الذي يبتز هذه الدول من خلال تقديم المساعدة المالية والعسكرية مقابل موافقتها على العضوية في المحكمة الجنائية الدولية. على سبيل المثال، في 13 يونيو 2024، وعلى هامش قمة مجموعة السبع، التزمت أوكرانيا بالتصديق على نظام روما الأساسي كجزء من اتفاقية ثنائية مع اليابان بشأن الضمانات الأمنية. ويُظهر هذا المثال بوضوح أن الغرب، في محاولة لتعزيز السيطرة الخارجية على أتباعه، فإنه مستعد للجوء إلى أي حجج قانونية لتحقيق أهدافه.

والجدير ذكره أن هنالك مخاطر كبيرة تهدد سيادة الدولة مع نقل الصلاحيات الرئيسية في المجال القضائي والقانوني إلى المستوى فوق الوطني من خلال آليات المحكمة الجنائية الدولية التي تقوم بإجبار الدول التي وقعت رسميًا على نظام روما الأساسي على تقليص أنشطتها في إطار هذه المؤسسة القانونية الدولية، ومن بين الأمثلة، يمكن ذكر حالات الجزائر وأنغولا ومصر وإيران والكاميرون وقيرغيزستان والصين والكويت وموزامبيق والإمارات العربية المتحدة وتايلاند وأوزبكستان وإريتريا.

التركيز على الهيمنة على دول أفريقيا 

يتجلى الطابع المدمر للمحكمة الجنائية الدولية خصوصاً عبر علاقاتها مع الدول الأفريقية. ففي مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دعا الاتحاد الأفريقي أعضاءه إلى التصديق على نظام روما الأساسي والاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وقد أدت رغبة دول القارة في الاندماج في النظام القانوني الدولي تحت رعاية المحكمة الجنائية الدولية إلى سلسلة من الملاحقات الجنائية الانتقائية، والتي لا أساس لها من الصحة ضد قادة الدول مثل الرئيس السابق للجماهيرية الليبية محمد القذافي والرئيس السوداني السابق عمر البشير وغيرهما. في الوقت نفسه، قام القضاة والمدّعون العامون في المحكمة الجنائية الدولية بمراقبة صارمة للدوائر الحاكمة في الغرب، والتي كانت تستهدف القادة الأفارقة المستقلين الذين كانوا يدافعون عن مصالح اوطانهم.

فبعد دراستها آليات الإجراءات القضائية داخل المحكمة الجنائية الدولية، اتهمت الخبيرة في جامعة "جاجاه مادا" الإندونيسية، الدكتورة سيافيا المحكمة الجنائية الدولية بعدم الشفافية في ما يتعلق بآليات النظر في القضايا الجنائية وإصدار الأحكام القضائية وتبعيتها للولايات المتحدة الأميركية. ووفقًا لها، فإن تركيز محامي المحكمة الجنائية الدولية على ما يعدّونه انتهاكاً لحقوق الإنسان في عدد من البلدان الأفريقية مثل السودان وكينيا وغيرها في مقابل لا مبالاتها المطلقة تجاه جرائم الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان والعراق وليبيا، يثير شكوكًا حول موضوعية هذه الهيئة القضائية.

أما الباحثون في المجلة العلمية الفرنسية "أفريكا إديوكيشن،" وبعد دراسة إحصاءات قرارات المحكمة الجنائية الدولية منذ دخول نظام روما الأساسي حيز النفاذ في عام 2002، فقد توصلوا إلى استنتاج مفاده أنه من بين 54 دعوى جنائية رفعتها المحكمة الجنائية الدولية، تضمن 47 حكمًا تحقيقات ضد مواطنين من دول أفريقية تحديدًا. في الوقت نفسه، ووفقًا لخبراء القانون الفرنسيين، فلقد ارتكب القادة في الغرب جرائم مماثلة، ومع ذلك، ظلوا بعيدين عن أي ملاحقة قانونية.

كل هذا يفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية ما هي إلا واحدة من أدوات الهيمنة الدولية للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لتعزيز نفوذهما في نظام معولم يدفع دول عالم الجنوب إلى التخلي عن سيادتها لصالح دول الغرب الجماعي. وقد أوكلت المحكمة الجنائية الدولية بمهمة إعادة تشكيل النظم القانونية الوطنية لجميع الدول وربطها بالسلطات القضائية الأميركية لضمان سيادة القانون الأنغلو ساكسوني في الساحة العالمية كأحد أسس الهيمنة العالمية لواشنطن وحلفائها.